الخميس، 7 مارس، 2013

الصحافة الورقيّة بين تحديات الواقع ومنافسة الإعلام الإلكتروني في الجزائر

تشهد الساحة الإعلامية العالمية في الوقت الحالي تطور رهيب وقفزة نوعية إلى الأمام بعد ظهور ما يسمى بالإعلام الإكتروني، وعليه انتقلت حمى هذا التطور إلى وطننا بوجود عشرات المواقع الإخبارية سواء المتخصصة أو العامة وكذا نفس الشئ بالنسبة للمدونات الإلكترونيّة، ناهيك عن آلاف إن لم أقل ملايين المشتركين في مواقع التواصل الاجتماعي، وأمام هذا التطور الإعلامي يبقى السؤال المطروح ما مدى مواكبة الصحافة الورقيّة لهذا التطور عندنا في الجزائر ؟ وهل هي بداية النهاية للصحافة الورقيّة اللتي صمدت لعهود من الزمن ؟  وما مدى مصداقية الإعلام الإلكتروني؟ فهل يصمد الإعلام الإلكتروني ويقدم ما يرجى منه ؟ أم هي زوبعة هائجة سرعان ما تهدئ ؟ وأخيرا هل يمكن أن نستغني من أحد الإعلامين أم هما متكاملان ؟ كل هذا سأطرق إليها في مقالي هذا بالتفصيل مع آرائي بعض أهل الاختصاص الذين تم استجوابهم .
مكانة الصحافة الورقيّة في الجزائر
إنّ أدقّة لغة دائما هي لغة الأرقام ففي الجزائر تصدر 130 جريدة منها 80 يوميّة حسب ما أفاد به رئيس الحكومة الأسبق السيد أحمد أويحي خلال تجمع شعبي بمناسبات تشريعيات 10 ماي 2012، إنّ هذا الرقم لعله يعكس الكم المعتبر من الصحف الوطنيّة التي تصدر عندنا لكن عندما نغوص في أعماقها نجد عدّة ملاحظات ومشاكل تعاني منها هذه الصحف وخصوصا في الوقت الحالي مما يعيق من تقدمها أكثر، بل أصبحت في دوامة من المشاكل الداخلية من نقص الموارد وعدم كفاءة الإطار الإداري والإطار العامل أقصد بذلك الصحفيين والتقنيين، إضافة إلى الاستهلاك العقيم وإثارة الكثير من القضايا لأجل جلب الرأي العام، إضافة إلى نفور المواطن منها  في كثير الأحيان.
نقص الموارد الماديّة
يقال المال قوام الأعمال، والمشاريع الكبرى تلزمها رؤوس أموال ضخمة لكن هذا ما نجده تعاني منها أغلب الصحف الورقية عندنا بحيث تنتظر إلى أموال الدعم من الدولة، إضافة إلى استنفاذ طاقتهم في البحث عن الممولين الخواص للاستفادة من موارد الإشهار، وينجر عن هذه الضائقة الماديّة التي تعاني منها الصحف إلى توظيف عدّة صحفيين وخصوصا الخريجين حديثا في إطار عقود ما قبل التشغيل وحتى في إطار الشبكة، إضافة إلى متربصين ومتطوعين، مما يولد عدم بذل كلّ الجهد من طرف الصحفي، ويؤثر مباشرة في محتوى الجريدة مما تفقد هيبتها لدى القارئ .
التجوال الصحفي
إذا كان مصطلح التجوال السياسي يطلق على الشخص المتبع لمصالحه فتجده يوما في حزب كذا، ويوما آخر موال لحزب آخر وهكذا دواليك فبمجرد انتهاء مصلحة يتقلب كالحرباء على عدة أحزاب، فعلى نفس المنوال يتواحد عدّة صحافيين مما أطلق عليهم شخصيا بالتجوال الصحفي، بحيث إذ لم تستجب الإدارة مطالبه التعجيزيّة في بعض الأحيان فورقة المغادرة بيده وخصوصا إذا كان الصحفي متميزا وذا مستوى، وعليه ما على الإدارة أن تضعه فوق كرسي من ذهب  فيفرض منطقه بأن يكون سيد زملائها، منها تتولد صراعات داخليّة وتكتلات وطبقات من بورجوازية وكادحة وبذلك تفقد الجريدة روح الاتحاد والتضامن، وهذا يعود بالسلب على مضمون الجريدة .
تسارع الأحداث يسبب ضعف المحتوى
أمام المشاكل السالفة الذكر يضاف إليها أيضا التسارع في وقوع الأحداث التي تشهدها الساحة الوطنيّة والدوليّة ممّا تصل متأخرة إلى المتابع حيث يشهدها في اليوم الموالي على صفحات الورق وخصوصا في حالة وقوع حدث مهم في وقت متأخر من اليوم فإن الحدث نشهده على الورق بعد أكثر من 24 ساعة، مما يفقده بعض من الحصرية وفوات الأوان .
الصحافة الورقيّة في الجنوب تبحث عن فرض ذاتها
لا يختلف اثنان في أنّ التنمية في الجنوب تسير بوتيرة ضعيفة جدا، وهذا ما انعكس على جميع القطاعات منها قطاع الإعلام بحيث ثلاث جرائد فقط تصدر من الجنوب وهي الجديد اليومي (ولاية الوادي)، الزيبان نيوز (بسكرة)، غرداية نيوز (غرداية) التي أيقظت شمعتها  حديثا فقط والتي تعد ملحقا للزيبان نيوز إداريا فقط، لكن من ناحية التسيير المالي والسياسة التحريرية فهي مستقلة بذاتها .
ولأجل بحث أسباب هذا التأخر والمشاكل التي تعانيها الصحافة الورقية في الجنوب أجابنا مدير تحرير جريدة  "غرداية نيوز"  السيد عبد المجيد رمضان أن جريدته تواجه عدة تحديات على أرض الواقع منها ضعف الموارد بسبب نقص الإشهار، إضافة إلى مشكل التوزيع ومصاريف الطباعة وانعدام الدعم العمومي والخاص لهذه التجربة الإعلامية الناشئة في جنوب الجزائر .
الإعلام الإلكتروني وبداية البروز
بعد التطور التكنلوجي الرهيب يوما بعد يوم، وانتشار أجهزة الكمبيوتر الكبير بين جميع طبقات المجتمع، وأصبحت الأنترنت في متناول الكثير من المواطنين، ظهر ما يسمى بالإعلام الإلكتروني حيث السرعة في نقل الخبر بما يحقق السبق الصحفي للوسيلة الإعلامية وقدرته على تجاوز عامل المكان والزمن، ولقد ساعد هذا بتوفر الشبكات التواصل الاجتماعية والمدونات الإلكترونية إضافة إلى الحرية في نقل الخبر بدون أية قيود أو شهادات دراسية تطلب لأجل الانضمام إلى هذه الشبكات فأصبح كل من يملك خبر ينشره، وهناك عدة مواقع خاصة لشباب أو صحفيين بحيث مواكبة آخر التطورات لحظة بلحظة ، فكل هذا أدى إلى جلب أكبر عدد من الزوار والمتفاعلين مع الخبر .
الحرية المطلقة ... بين الإعلام الإلكتروني والصحافة الورقيّة
في الإعلام الإلكتروني تنكسر جميع الحواجز وتتخطى جميع العواقب مما برزت عدة صحف إلكترونيّة وآلاف الصفحات الإعلامية عبر موقعي الفايس بوك وتويتر خاصة منها صحف ومواقع متخصصة وصحف ومواقع عامة .
أمام النقائص المذكورة سابقا فإن الصحافة الورقيّة تتميز بقوانين تضبطها وتسير وفقها، غير الإعلام الإلكتروني الذي يتميز بالحرية المطلقة في غالبيته مما يتداول الحدث حسب وجهات النظر والعاطفة وبدون أية ضوابط تحكمه .
ولعلّ أبرز ما يحسب على الصحافة الورقيةّ التحاليل الوافية والنقل الكرونولوجي للحدث بدقّة بعد تتبع الحدث إثر وقوعه غير الإعلام الإلكتروني الذي ينقل جزء بعد جزء للحدث مما يصعب على المتلقي الربط واستنتاج تفاصيل القضيّة بدقّة.
جراء كل ما ذكر سابقا حاولت الصحافة الورقيّة مواكبة هذا التطور بإنشاء مواقع خاصة لها لمتابعة الأخبار العاجلة والمهمة، إضافة إلى إنشاء منتديات خاصة بها لأجل جذب أكبر عدد من الزوار لها .
الصحافة الورقية  والإعلام الإلتكروني بأعين المختصين
قالت آسية مجوري صحفية بجريدة أخبار اليوم  أن الصحافة الورقية في الجزائر حاليا تعاني من التضييق فالحرية فيها مازالت غير موجودة فيها لعدة أسباب، وأمام هذا أضافت حسب قولها أن يصل ما أكتبه للناس هو أهم شيء وأكيد أن أقول يصل يعني أن يصل كما أريده وليس كما يريده غيري ومستعدة لتحمل المضايقات لأنها من تبعات مهنة المتاعب هذا الأمر قد لا نجده في الصحافة الإلكترونية فهي تتمتع بحرية أكبر، فمن جانب المنافسة تقول كل نوع وله تخصصه فالصحافة الالكترونية اليوم هي مصدر للمعلومة وتستعين به الصحافة الورقية، ومثالا على ذلك مواقع وكالات الأنباء، وبعض القنوات الإخبارية، يعني ليس هناك علاقة تنافسية أصلا، فالمواطن البسيط يتجه إلى الجريدة لمعرفة الأخبار، أما النخبة ورجال الإعلام فيعتمدون إلى جانب الصحافة الورقية على مثل هذه المواقع، إضافة إلى أنّ الصحافة الورقيّة أيضا لم تترك مكانها فارغا فكل جريدة اليوم لها موقع إلكتروني .
وفي سؤالنا حول الجدوى من قراءة الأخبار متأخرة، قالت أنّ مواقع الجرائد اليوم، تضع نسختها الورقية قبل يوم من طرحها في السوق، فيمكنك قراءة عدد الغد في مساء اليوم هذا شيء، ومن ناحية أخرى الجرائد حاليا تتابع الأخبار العاجلة عبر مواقعها أيضا، وستجد أن الأخبار الهامة والعاجلة تنقل في وقتها ثم يعاد كتابتها بتفصيل أكبر في عدد الغد، ولا ننسى شيء آخر، فالهدف من الإعلام هو إيصال المعلومة للجميع وإلى كافة طبقات المجتمع، ولو تكلمنا بمنطق الحصرية الذي تتحدث عنها فإنّ نسبة 80 بالمائة من الشعب الجزائري لا تصله المعلومة، لأنه يعتمد على الإعلام الورقي أكثر من الصحافة الالكترونية، وفي رأيي الصحافة الالكترونية في الجزائر لا تزال في مرحلة البناء وهو مصطلح جديد علينا ومعظم الشعب لا يعرفه أصلا .
فختمت كلامها بقولها أعتبر العلاقة تكاملية، قد تتطور مستقبلا إلى علاقة تنافسية قوية بتطور الصحافة الالكترونية ووصولها إلى كافة أفراد المجتمع بالشكل الذي تحققه الصحافة الورقية لأنها كما قلت لك اليوم تقتصر على الباحثين والنخبة ورجال الإعلام، يعني فئة معينة .
يرى الشاب صالح الدين وضاح طالب أولى ماستر علاقات عامة بجامعة قسنطينة ومؤسس مجموعة صحافيو المستقبل ومدير تحرير مجلة القلم الإلكتروني التي تصدر إلكترونيا بأقلام صحفيين شابة واعدة أن الصحافة الورقية في الجزائر حسب قوله بدأت تفقد بريقها وشعبيتها وهذا بسبب كثرة المواقع الإخبارية الإلكترونية وأيضا ظهور صحف إلكترونية متخصصة حتى أننا أصبحنا نشهد اتهامات من هاته الأخيرة أي الصحف الإلكتروينة تتهم فيها الصحف الورقية في الجزائر بأخذ أخبارها الحصريّة، وكما نعلم أن الخبر سلعة سريعة التلف ولكن في العالم الإلكتروني شيء أخر، واصبحت تأخذ لتطبع في الصحف الورقية، وأما بخصوص الطرح الخاص بأنهما متكاملان ففيه جانب من الصحة و الواقعية،لأنّ العديد من الصحف الجزائرية الآن أصبحت لديها مواقع إلكترونية ولكن إدا أخدنا مكمن التكامل سنجده في التحليل والتفسير وأيضا في المصداقية فالعديد من المواقع الإلكترونية الإخباريّة أصبحت بدون مصداقية همها الوحيد هو نشر الخبر قبل التأكد من صحته وبالرغم من وجود هيئة تحرير قائمة على الموقع .
خلاصة القول
في الوقت الراهن  الصحافة الورقية والإعلام الإلكتروني وظيفتهما تكامليّة، مع أفضليّة للإعلام  الإلكتروني الذي يتجه لأن يكون إعلام المستقبل في الجزائر باستقطابه ألمع الصحفيين والأقلام البارزت لسهولة استعماله والتواصل المباشر ما بين القارئ والكاتب، لكن مع هذا تبقى الصحافة الورقيّة قائمة إذا واكبت تطور الإعلام الإلكتروني وإلا تبقى في مكانها  وتعيش في دوامة من التحديات االصعبة المذكورة سابقا .  
بقلم : الناصر الحاج عشور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموضوع صدر في جريدة غرداية نيوز العدد 09 الصادر يوم الإربعاء 20 فيفري 2013

هناك تعليقان (2):

بارك الله فيك